رسالة إلى خطيبها في الجبهة

سليمان العيسى

 

الصبح لَمْلَمَ عن ذُرى

"قسيون"* أهدابَ الظلامِ

والربوةُ الخضراءُ أغنيةٌ

تهزّ .. بلا كلامِ

والشام .. ساقيةُ الربيع ،

ولو عرفتَ بأيِّ جامِ

بَردى ، وأمواجُ الضياءِ ،

وعطرُها بعضُ المُدامِ

والعيدُ في نيسان سكرةُ

أمةٍ ، وشبابُ عامِ

والطالعون على الحياة ،

كأنهم عبَقُ السلامِ

جيلُ البطولةِ كله

والدربُ يهدرُ – في الزحامِ

بُعِثَتْ بلادي ، فالربيعُ

شموخُ ناصيةٍ وهامِ

ألصبحُ ينفضُ عن ذُرى

"قسيون" أهدابَ الظلامِ

والشام .. غارُ الوحدةِ

الكبرى أكاليلُ الشآمِ

وضّاح .. أين يداكَ ،

أشبِكُ في لهيبها يديّا ؟

وأضيعُ في حُلُم صباح

العيدِ يُرْعِشُ جانحيّا

ويمر موكبُ أمتي

نشوانَ ، هدّاراً ، أبيّا

وخُطاه خَفْقٌ في ضلو

عي ، أو سناً في مقلتيا

وملاحمُ الثوار تَزْحَم

مسمع الدنيا دويا

ما زلتُ في عينيكَ أبـ

ـصرُ شعبيَ العربيّ حيا

تظْمَا ميادينُ الكفاحِ ،

فتستقي دمه الزكيّا

ما زلتُ في قَسَماتِكَ

السمراء ألمحه جليا

كالموج ، كالشلال ، يَهْـ

ـدِرُ ، صامداً أبداً ، عتيا

ما زاد زَرْعُ السدودِ

بوجهه إلا مُضيّا

جَدلْتُ من خصل الربيع ،

ومن ذُؤاباتِ الأقاحي

أضمومةً خضراء. تَعْبَقُ

بالإباءِ ، وبالسماحِ

للموكب الهدّارِ ، مَرّ

بشرفتي عند الصباحِ

لقوافلِ الأبطالِ .. سُمْرُ

زنودِهم حُلُمُ السلاح

لرفاقك المتعطشينَ

إلى الفداء بكل ساحِ

للجيش ، تقفو خَطْوَه

قِصصُ البطولةِ والأضاحي

نحمي زنابقَ أرضِنا

من بَطشةِ الغدرِ الوَقاحِ

ونردّ نابَ الوحش

منحطماً على صخر الكفاحِ

ضفّرتُ أطواقي لموكبِ

أمتي مِلءَ البطاحِ

يتعجّلُ الثأرَ القريبَ ،

وعودةَ الوطن المُبَاحِ

وضّاح .. حدِّثني عن

الميدان ، عن ظَمأ الحدودِ

للموعد المضروبِ بينكمُ

وبين ثرى الجدودِ

أللص .. أفقده الصوابَ

تفتُّحُ الفجرِ الوليد

وتألّقُ التاريخ، تا

رخِ العروبةِ من جديدِ

أللص .. يُنْذِرُ باللظى

والحقّ جبّارُ الصمودِ

إني أخافُ .. فلستَ ممن

يصبرون على وعيدِ

إني أخافُ .. فلستَ ممن

يصبرون على وعيدِ

إني أكاد أراكَ تهزأ

بالزوابعِ ، والرعود

وتَشُدّ رايتَك الخضيبة

فوق ناصيةِ الخلودِ

آمنتُ بالوطن الكبير ،

يُطِلّ خفّاقَ البنود

بطريقنا الدامي ، بأمتنا ،

بصخرةِ "بورسعيدِ"

أيغيبُ عن عينيّ طيفُكَ

خلفَ "حفرتكَ" الرهيبه ؟

كفّ على ضلعِ الزناد ،

ونظرةٌ ثَبَتَتْ ، مَهيبه

وعلى يمينكَ ، أو يَسَارِكَ ،

أرضُنا الثكلى ، الحبيبه

وأراكَ تهمسُ : لن تظَلّ

ديارُ آبائي سليبه

لا .. لن أعودَ ، فساعةُ

الإعصار قد باتت قريبه

العيد ، والأفراح ، والحبُ

العمق رُؤىً كئيبه

العيد نَغّصَه الذئابُ ،

نيوبُها أبداً خضيبه

لا .. لن أعودَ ، لأسرق

اللحظاتِ مُرْهِقَةً ، عصيبه

لي موعدٌ معَ من يُريدُكِ

فوق تربتنا غريبه

سنرى .. لِقُطّاعِ الطريق

النصرُ ، أم لضحى العُرُوبة !

أملي إليك ، وحوليَ

الضحكاتُ تطفرُ ، والأغاني

والمهرجانُ .. وعبقريةُ

أمتي في المهرجانِ

تثِبُ السطورُ هوىً ، ويَرْ

عَشُ فوق أحرفها كياني

لِمَ يحرمون بلادنا

من نُعْمى الأمانِ ؟

لِمَ يحملون لنا الدمار ،

بألف فَحّةِ افعوانِ ؟

ألأننا قلنا : لنا

هذي المَرابعُ ، والمغاني !

ألأنّ أرضي .. لم يعد

للص فيها من مكان !

أشدد يديكَ على السلاحِ ،

أحسّ عزمَكَ في جَنَاني

يتعرفُ "القرصان" حَقّكَ

حين يلمع في السنانِ

قدَرٌ تحرُّرنا ، ودعهم

يوقفوا سَيْرَ الزمان !

وضاح .. حدّثني متى

تصفو لنا نعمى الجلاءِ !

أنظلّ نستهدي الجراحَ ،

ونقتفي ألقَ الدماء !

ستقول – اعرف ما بصد

رك من سعير الكبرياء

ستقول .. أمتنا بخط النار ،

والهَيْ إن تشائيّ

يحلو نشيدُ الحب حيثُ

أكون حراً في غنائي

شعبي بخطِّ النار يَقْـ

ـتنِص الحياةَ من الفناء

تلك الحقيقةُ كالضحى

يجتاحُ مقلةَ كل رائي

وضّاح ، أبصرتُ الطريق ،

وقد توَشّحَ بالضياءِ

سأكونُ في الميدانِ قربَكَ ،

عند جلجلةِ النداء

هذي الرفيقة في السلاح ،

وتلكَ معركةُ البقاءِ

________________

* الجبل المطل على دمشق