فَهِمْتَ مَعْنَى الْعُمْرِ فَهْمَ الأَرِيبْ

خليل المطران

فَهِمْتَ مَعْنَى الْعُمْرِ فَهْمَ الأَرِيبْ

وَعِشْتَ فِي دُنْيَاكَ عَيْشَ اللَّبِيبْ

جُبِلْتَ مِنْهَا ثُمَّ أَنْكَرْتَهَا

وَكُنْتَ فِيهَا آهِلاً كَالغَرِيبْ

وَكُنْتَ فِيهَا سَاعِياً كَالذِي

يَجُوزُ وَعْراً لِلِقَاءِ الحَبِيبْ

فَاعْتَضْتَ مِنْ وَفْرٍ بِفَقْرٍ وَمِنْ

وَادٍ خَصِيبٍ بِعَرَاءٍ جَدِيبْ

واعْتَضْتَ بِالمِسْحِ وَأطْمَارِهِ

مِنْ كُلِّ ثَوْبٍ ذِي بَهَاءٍ قَشيبْ

وَاعْتَضْتَ مِنْ مَلْهىً وَمِنْ لَذَّتٍ

بِمَعْبَدِ اللهِ وَمَنْفَى الْقُلُوبْ

فِي الدَّيْرِ تُلْفَى عَاكِفاً ضارِعاً

مُهَجِّداً أَلِفَ الضَّنَى وَالشُّحُوبْ

وَقَدْ تُرَى بَيْنَ الْوَرَى مِثْلَمَا

يُسْعِفُ غَرْقَى البَحْرِ حُرُّ مُجِيبْ

تَمُدُّ أَسْبَابَ الْهُدَى نَحْوَهُمْ

مَدَّ مَنَارٍ نُورَهُ لِلرَّقِيبْ

لَوْ رَابَهُمْ زَهْرُ الدَّيَاجِي فَمَا

فِي نُورِ ذَاكَ الْغَوْثِ مِنْ مُسْتَرِيبْ

فَيَا صَفِيَّ اللهِ يَهْنِيكَ أَنْ

قَدْ فُزْتَ مِنْهُ بِاللِّقَاءِ القَرِيْبْ

وَسِرْتَ لَمْ تُخْلِفْ أَسىً مُظْلِماً

كَمَا يُرَى لَيْلُ القُنُوطِ العَصِيبْ

بَلْ شَفَقاً لألاؤُه نَاصِعٌ

يُرَى خِلاَلَ الدَّمْعِ شِبْهَ المَشُوبْ

أَبَيْتَ نَوْحَ اليَأْسِ يَا شَادِياً

عَلَّمَ شَدْوَ الأَمَلِ العَنْدَلِيبْ

وَأَنْتَ يَا حَادِيَ رَكْبِ الرَّدَى

بِنَغَمِ البِشْرِ أَبَيْتَ النَّحِيبْ

فَلاَ مُنَادَاةٌ وَلاَ صَيْحَةٌ

وَلاَ بُكَاءٌ هَهُنَا أَوْ وَجِيبْ

هَذَا قَرَارٌ لِلْبِلَى صَامِتٌ

صُمٌّ بِهِ السَّمْعُ وَعْنَ الخَطيبْ

حَفِيرَةٌ فِي الأَرْضِ لَكِنَّهَا

بَابٌ إِلَى الجَنًَّةِ عَالٍ رَحِيبْ

مَبِيتُ خُلْدٍ لِفَتىً صَالِحٍ

سَمْحٍ نَقِيِّ النَّفْسِ حُرٍّ أَدِيبْ

عَاجلَهُ البَيْنُ فَوَلّى وَلَمْ

يَزِنْهُ مِنْ بَعْدِ الشَّبَابِ المَشِيبْ

عَاشَ نَهَاراً لَمْ يَكَدْ يَنْقَضِي

صَبَاحُهُ حَتَّى تَلاهُ الغُيُوبْ

صَلَّى صَلاةَ الصُّبْحِ مِنْ عُمْرِهِ

ثُمَّ عَلَى الإِثْرِ صَلاَةَ الغُرُوبْ