بِيَدي خُذوا ضاقَت عَليَّ مَذاهِبي

خليل الخوري

بِيَدي خُذوا ضاقَت عَليَّ مَذاهِبي

وَاِستَنقَذوني مِن أَكُفِّ مَصائِبي

أَو مَزَقوا أَحشاي لَستُ بِقادِرٍ

اَن أَحمل الهَضبات فَوقَ مَناكِبي

أَينَ الفَرار مِن الزَمان وَظُلمِهِ

وِمِن المُقاومُ لِلعَدوِّ الغالِبِ

مَن راحَ يَطلُبُ مِن مَكائِدِهِ الصَفا

طَلَب الوَفاء مِن الخؤون الكاذِبِ

أَنا ساقِطٌ تِلقاء صاعِقَة القَضا

أَنا خابِطٌ بِدُجى المُصاب الناكِبِ

لا تُكثِروا كلَم التَعازي أَنَّها

مثل النِبال عَلى الفُؤاد الذائِبِ

سمع الحَزين إِلى عِبارات العَزا

نَظرُ الجَريح إِلى حُسام الضارِبِ

بَل وَازروني بِالبُكاءِ فَإِنَّهُ

يَشفي غَليل القَلب وَسَط مَصاعِبِ

وَلَو اِستَطَعتُ حَبَستُ دَمعي إِنَّني

لا أَبتَغي فَرجاً بِحال مَتاعبي

تَباً لِيَومٍ كانَ مَطلَع فَجرِهِ

بِغِيابِ نجم هِدايَتي وَماءَ رَبي

فيهِ فَقَدتُ أَبي وَفارجُ كُربَتي

وَحَرَمتُ فيهِ ذَخيرَتي وَرَغائِبي

يا صاح لا غَير النَجيب يَطيبُ لي

فَاِندُب وَزِد وَلهي بِهِ يا صاحِبي

كَأساً سَقاني البين مُرّ مَذاقِهِ

كَالسُم يَفتُكُ في فُؤاد الشَارِبِ

جاوَرتُ لُبنان العَظيم وَبُغيَتي

فيهِ النَجاة مِن الوَباء الناهِبِ

فَسَطا القَضا حَتّى رائتُ جِبالُهُ

هَماً تَراكم قائِماً بِجَوانِبي

فَكَأَنَّها مِن تَحت أَذيال الضُحى

جسم الظَلام عَلَيهِ هام نَوائِبِ

وَكَأَنَّها اِنطَبَقَت عَليَّ فَلَم أَعد

إِلا دَفيناً في مضيق مَصائِبِ

يا غائِباً عَنا وَذكرك بَينَّنا

طول الزَمان نَراهُ لَيسَ بِغائِبِ

أَسرَعتَ في عَهد المَسير وَقَد دَعا

صَوت البَشير فَقُمتَ نَحوَ الطالِبِ

أَوحَشتَ دارك إِنَّما لَكَ مَنزِلٌ

أَهداكَ فيهِ الأُنس عَفوَ الواهِبِ

فارَقَتنا فَمَتى المَعاد واي مَتى

يَقضي بِعادكَ وَهُوَ ضَربَةُ لازِبِ

حَمَلوك ما صَبَروا عَلَيَّ بُرَيهةً

أَقضي بِها حَق الوَداع الواجِبِ

فَبِأَرض مَولدك الكَريمة بُقعَةٌ

أَودَعَت فيها الآن جَلَّ مطالِبي

قَد أًرجَعَتكَ لِأُفقِها صدف القَضا

فَرَجَعتَ مَحمولاً بِغَير جَنائِبِ

فَسَقَيتُها مِن سَيل دَمعي عارِضاً

قَد نابَ عَن فَيض الغَمام الساكِبِ

فَهَل اِرتَوَيتَ بِهِ وَأَنتَ عَلى غِنى

عَنهُ بِفَيض مَراحم وَمَواهِبِ

أَأَبي فَدَيتكَ لَو يَردُّكَ لي فِدىً

عَني ذَهَبتَ أَعَز مَولى ذاهِبِ

أَينَ المُلاطَفَة الَّتي قَد طالَما

مِنها رَشَفنا كُل عَذب مَشارِبِ

أَينَ الحُنوُّ وَأَين أَدعيَة الرِضى

تِلكَ الَّتي بَسَطَت لَدَيَّ رَغائِبي

أَم أَينَ أَيديك الَّتي بِجميلها

جادَت عَلى جيدي بِطَوق كَواكِبِ

أَأَبي لِماذا لا تُجيبُ بَنيكَ قَد

صَرَخوا إِلَيكَ وَكُنتُ خَير مُجاوِبِ

أَأَبي لَما إِغمَضَت عَينكَ بَعدَما

قَد كُنت تَسهَر يا شَفوق مَراقِبي

أَغضَضت طَرفكَ رَأفَةً كَيلا تَرى

في حال مَصرعكَ الأَليم نَوائِبي

أَم أَنتَ لاهٍ مَع سَميكَ في السَما

أَعني بِهِ جبريل أَشرَف صاحِبِ

أَواهُ ما أَمل الخُلود بِدافِعٍ

ثقل القُيود عَن الفُؤاد الواجبِ

يُعطي يَقين الدين أَعظَم سَلوَةٍ

وَالطَبعُ يَمنَع جانِحاً عَن واجِبِ