التجارة في المنطقة العربية خلال العصور

مقدمة ومدخل

تهدف هذه الدراسة الى رسم أطار حول مفهوم التعبير “تجارة وتجار” وذلك بالرجوع الى ما أتاحت لنا المراجع وكتب التاريخ والقصص والروايات من أساطير ومغامرات بدأت في مكان وانطلقت الى أمكنة أخرى بعضها واقعي وأكثرها من نسيج خيال قاصّ أو راوية لتنتقل الى اّفاق لم تكن في البال أصلا، لتنطلق من ذلك الى الواقع الذي مهد لنشوء فكرة التعامل القاصد للربح أو تغطية حاجات لا تتوافر الأّ عند الغير.

يتحدث الرحالة منذ بدء التاريخ عن مدن وموانىء تعاملت بجميع أنواع السلع من حاجات يومية وبضائع غالية الثمن وجواهر وجواري وعبيد وخيول، فكان قاصدها يتسوق منها ليبيع في غيرها ويجني ما يجني من الربح . هذا هو مفهوم التجارة، والذي سمحت به والأصح شجعته جميع الشرائع الدينية منها والمدنية فأصبحت مهنة مميزة يمارسها من يشاء ويقتدر. والبارزون فيها أقتربوا من الحكام وطبقات المجتمع الراقية المتمتعة بكل ما هو مطلوب ومرغوب، بل كان بعضهم ينضم بحكم ثروته الى هذه الطبقات ويصبح جزأ منها، هذا أذا لم تتهيأ له الظروف ليرتقى الى سدة الحكم.

هنا نود القول أن هذه الدراسة أظهرت لنا بما لا يرقى اليه الشك أن الأوضاع السائدة في فترة زمنية ما أنبتت أشخاصا لونهم يعكس لون الفترة التي تربوا ونشاؤا فيها. فالأزمنة الرديئة لم تنتج مميزين الا فيما ندر والأزمنة التي ارتقت الى مستوى الرفاه الناتج عن الأستقرار والحكم المميز والنمو الأقتصادي والأدبي والتشريعي أنبتت مميزين من كل صنف ونوع ومهنة، فكان أمراء الأدب والشعر والعلماء في الطب والرياضيات والفلك والجغرافيا، والمشرعون، كما التجار، من نتاج مرحلة مميزة للفرد.

فالتجارة موضوع بحثنا هذا تطورت بموازاة التطور الأجتماعي وبدء انتقال الناس من مواطنهم الى رحاب فضاء أوسع فتعرفوا الى آخرين وتنبهوا الى الفوارق في أنماط الحياة وألفوها وغيروا نظرتهم الى الحياة. وكذلك فعل الآخرون الذين تعرفوا الى الوافدين عليهم فتأثروا بما شاهدوا فاختلطت الرؤى وتشابهت أنماط الحياة وازدادت المتطلبات، منها ما كان متوفرا ومنها ما اقتضت الحاجة الى جلبه. وهكذا بدأت الأفكار تراود البعض بالسفر قصد جلب ما نقص من الحاجات وأرسال ما فاض عنها الى مجتمعات أخرى . ومع الزمن أصبح كل ذلك مهنة او حرفة يمارسها من يشاء ويربح منها ما تسعفه قدراته والحظ الذي يواكب عمله.

تطور الوضع مع مرور الزمن فكان أن بعدت المسافات التي للتاجر أن يقطعها لجلب ما لا يتوفر في المحيط القريب وأصبحت هناك طرقات يسلكها الناس وبالأخص التجار منهم، وعرفت هذه الطرقات بأسماء شتى مثال ذلك “طريق الحرير” وهو الأشهر و”طريق البخور البري” ومتفرعاتهما وطرق أخرى يأتي ذكرها في سياق هذه الدراسة. وكانت هذه الطرق سالكة وآمنة إجمالا وبالتالي مطروقة.

لما بدأت الحاجة تزداد للتواصل مع مناطق أخرى من العالم وقضت الظروف والحاجة خوض البحار، نشأت صناعة السفن وبدأت علوم البحار تجد من يهتم بها كما نشأت أيضا مهنة البحارين فكان أن أضيف إلى الطرق البرية طرقا بحرية وبرز من خلالها بحارون تجار وبحارون ممتهنون أضافوا الى رونق التجارة قصص المغامرات فننشأ عنها أدب مليء بالخيال، بالأخص ما له علاقة بالشوق لمعرفة ما يجري في عالم غير عالمهم. واستهوى كل ذلك الحكام الذين وجدوا في الطرق الجديدة مجالا للتوسع فكان للبحارة كما لتجار البحر باع طويل في ذلك التوسع وكان، كما ستظهر الدراسة، ذلك التلازم بين التوسع الجغرافي المدني – العسكري والسياسي والتجارة التي أفادت الحكام واستفادت بدورها من قربها منهم.

لهذا أخترنا لدراستنا هذه اسلوبا خاصا يبدأ بوضع أسس البنية التحتية التي كونت الظروف المميزة للفترات التي تلت وما طرحته وأتاحته للمجتمع ومكوناته من فرص استفاد منها من يرغب ويقدر فأفاد واستفاد ونجح من نجح وفشل من فشل وبرز الناجحون فعرفهم المجتمع ومكوناته وأثّر فيه وتأثر منه. وهؤلاء المميزون الناجحون هم نواة هذه الدراسة وكان أن أبرزناهم بالأسم والسيرة .

نبدأ بأيام الجاهلية وبتسلسل هادف، وضعنا له فهرساً، يشمل بشكل عام الدول التي توالت على السلطة من الدولة الأموية ومن ثم الدولة العباسية مروراً بالفاطميين فالمماليك والعثمانيين ومن ثم الفترة التي تلت الحرب العالمية الأولى وهي الفترة التي وضعت هذه الدراسة لأجله.